“التميمي”: المظاهرات شر ووبال وهي في أصلها وحقيقتها لا تأتي بخير

قال عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الدكتور صالح بن مقبل بن عبدالله العصيمي التميمي، إن المظاهرات شر ووبال، وهي في أصلها وحقيقتها شر ولا تأتي بخير، وإن جاءت بخير فهو منغمس في طيات شرها، فشرها أعظم من خيرها، ظلمات بعضها فوق بعض.

أضاف: وحتى لا يظن بأنني ألقي الكلام على عواهنه فإني أتساءل عما يلي:
1- ما الهدف من المظاهرات؟ فإن قيل إنكار منكر, فيقال وهل هذا أسلوب لإنكار المنكر؟، وهل هذا منهج شرعي للإنكار؟، وعلى من؟ على ولي أمر، ولاه الله أمرنا؟ الإنسان العادي لو أنكر عليه إنسان أمام ثلاثة أو أربعة لحزن وغضب، وأزبد وأرعد، وحق له ذلك، فالإنكار لا يكون علانية؛ لأن في ذلك إحراجاً وإهانة للمنكر عليه، بل وإعانة للشيطان عليه، فقد تأخذه العزة بالإثم لرفضه القاطع أن يوصف فعله بالمنكر، فلا يتحقق من جراء ذلك هدف، ولا ينال المُنكِر ما أراد.

2- هل هذا المنكر الذي دعا لإنكاره المتظاهرون منكر واحد متفق عليه فيما بينهم، أم منكرات متعددة اتفق المتظاهرون عليها أو اختلفوا؟!، والغالب أن المتظاهرين ينكرون منكرات مختلف عليها فكل له مطلب، وقد لا يكون هذا المطلب منكراً شرعياً، وإنما هو منكر من قبل المطالب به، فيكون من بين المتظاهرين من ينكر منع الخمور، ومنع محلات الفساد ودور الفسق، والمتظاهر مع المتظاهرين يسعى لتحقيق هدفه، فيكون بين المتظاهرين اختلاف في وصف المنكر، واختلاف في المطالب، فقد يكون الهدف الأصلي للمتظاهرين إنكار منكرات أيسر بكثير من مطالب بعض المتظاهرين، فعلم هنا أن المتظاهرين في الغالب لا يكونون على قلب رجل واحد؛ فالمظاهرات تحمل جميع طبقات المجتمع، فلكل وجهة هو موليها.

3- ثم هل المتظاهرون خرجوا أفراداً أم جماعات؟، فإن كانوا أفراداً فمن القائد الذي سيطالب لهم بالمطالب؟، وهل سيطالب بمطالب جميع المتظاهرين أم بمطالب محددة؟، فإن قيل بمطالب محددة فيقال هل اتفق عليها المتظاهرون أم اجتهد فيها من اجتهد؟ فإن طالب بمطالب محددة فهل ستنتهي المظاهرات؟، ومن لم تتحقق مطالبه هل سيستمر في اعتصامه ومظاهرته وتشل الحركة، فتتعطل مصالح الناس العامة والخاصة؟، وإن قيل سيطالب بمطالب جميع المتظاهرين، فيقال هذ المحال بعينه، فإن قلنا بأن المتظاهرين مائة ألف فلن تقل مطالبهم عن مئات المطالب إن لم تكن بالآلاف، فذاك يطالب بحكومة دستورية وآخر بملكية شرفية، وثالث بوزارة شخصية، ورابع بدور فسق ومحرمات ومنكرات، وخامس بوظائف، وآخر بمنازل، وآخر بمطارات لبلدته، وهكذا في سلسلة طويلة من المطالبات، فيكون تحقيقها محالاً، إما لكثرتها, وإما لتعارض بعضها مع بعض، فبعض المتظاهرين مثلاً ينكر حدوث اختلاط في بعض الأسواق، وآخر يعترض على منع الاختلاط في بعض الأسواق، فمطالبهم تتعارض مع بعضها البعض.

وتابع الدكتور “التميمي” بقوله:
وإن قيل إن المظاهرات قامت بها جماعات وأحزاب، فيقال عنها مثل ما قيل عن الأول، فالجماعات والأحزاب:

أ- ليس مقراً شرعاً وجود جماعات أو أحزاب في البلاد الإسلامية، فهؤلاء الجماعات والأحزاب كما لا يخفى لجماعاتهم وأحزابهم, ولذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابي حينما قال ( يا للأنصار، وقال الصحابي الآخر يا للمهاجرين) رواه البخاري ومسلم، قال ابن تيمية رحمه الله: (وكل من خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس، أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية..) انظر الفتاوى 28/228، وانظر فضل الإسلام للإمام محمد بن عبد الوهاب بتعليق الإمام ابن باز صـ21 فالرسول صلى الله عليه وسلم وصفها بدعوى الجاهلية مع أن الأنصاري والمهاجري من الألفاظ الشرعية المحمودة، ولكنها خرجت هنا في غير مخرجها الشرعي فأنكرها النبي صلى الله عليه وسلم أيما إنكار فالأحزاب والجماعات لا تأتي بخير فالأخوة الإسلامية ووحدة الصف يجب أن يكون هو المقدم.

ب – الجماعات والأحزاب تتعارض مصالح بعضها مع مصالح البعض، قد يتفقون على مطلب ويختلفون على مطالب، ولا شك أنه سيكون بينهم تصادم مصالح، فهل ستحقق الدولة مطلب هذا أو مطلب ذاك؟، وفي النهاية ستستمر المظاهرات.

ج – وكذلك لو كانت جماعات فهل هي جماعات دينية أم سياسية؟، فإن قيل دينية فيقال هل هي سنية أم بدعية؟، فإن قيل: سنية. فيقال: إن أهل السنة يجب أن يكونوا جماعة واحدة، فلا يقبل أن يكونوا جماعات أو أحزاب، وأهل السنة والجماعة في الأصل منهجها قائم على تحريم الخروج على الإمام لا بالسيف ولا باللسان، وإن قيل جماعات سنية وبدعية وهذا هو الحاصل مع الأسف فيقال: كل جماعة لا ترضى إلا أن تكون في السيادة والرئاسة، وهنا سيتفرق المجتمع وينقسم إلى دويلات وأفراد كل حزب بما لديهم فرحون.

وأشار الدكتور “التميمي”: وإن قيل: بل جماعات سياسية فيقال: هل أقر الشرع مثل هذا وارتضاه؟، الجواب لا وما عرف في الإسلام مثل ذلك بل هو أمر محدث, ناهيك عن أن مطالب الأحزاب السياسية لا تنتهي إلا بالرئاسة فهذا هو الهدف النهائي إن لم يحققه في مرحلة فسوف يجعله مطلباً في مرحلة قادمة، و تعارض المصالح بين الأحزاب المتنافسين أمر وارد وإن اتفقوا في وقت فلا شك سيختلفون في أوقات فكل يبحث عن الزعامة والرئاسة وربما أوردهم هذا الخلاف إلى حروب، وقلاقل، وما أحداث الأفغان عنا ببعيد، فقتلاهم بعد سقوط الحزب الشيوعي أضعاف قتلاهم في الحرب مع الاتحاد السوفيتي، فعندما سقط الروس، تصارع رؤساء الأحزاب سنين عدة على الرئاسة فلم تتحد كلمتهم يوماً ما، ولم تستقر لهم دولة، وهل هناك أعظم من الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي فقدوه من جراء صراع الأحزاب.

وتساءل الدكتور “التميمي”: هل المظاهرات منهج شرعي أم أنه مستورد؟ و هل عرف عن سلف الأمة أو عن خلفها؟ وأجاب بقوله:

ا- الصحيح أنه ليس منهجاً شرعياً وما عرفه السلف، ومحاولة اختراع الأدلة ولي أعناقها لا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال.

ب – ولو فرضنا جدلاً أنه مباح شرعاً فهل مصالحه أعظم أم مفاسده؟ الصحيح مفاسده ولوفرضنا وجود مصالح فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ج – ولو فرضنا جدلاً أن دعاة المظاهرات طلاب مصالح، فهل المصالح في مطالبهم أعظم من المفاسد، الصحيح أنه لا مقارنة، والمفاسد غير ما ذكرت في النقاط الثلاث الماضية كثيرة، و من ذلك ترويع الناس وتخويفهم وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً) رواه أبو داود وأحمد.

وأكد الدكتور “التميمي” أن القتل وإراقة الدماء أثبتتها التجارب، فالدنيا ومصالحها يجب أن يضحى بها للحفاظ على دماء المسلمين، فكيف إذا كانت إراقة دماء أهل الإسلام لتحقيق مصالح إما فردية أو وقتية، أو قد تنال بغير هذا المنهج، فإراقة دماء أهل الإسلام يجب أن لا يستهان بها، وكلام محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن يعظم، وأن يؤخذ به وأن يقدم على الهوى، ولا يجوز الاجتهاد لرده بتأويل متكلف أو قياس فاسد، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم) فهل سمعتم بمظاهرات لم تخلف قتلى واضطرابات وفوضى، والغريب أن هذه المصالح جلها دنيوي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأردف الدكتور “التميمي”: ثم على افتراض نجاح المظاهرات في بلد من البلدان فهل ستنجح في بلاد الحرمين وتحقق ما يرجى من نتائج؟ الجواب قطعاً بالنفي؛ لما يلي:

أولاً: إن تلك البلاد قوانينها وضعية لا شرعية، وأقرت الانتخابات كوسيلة لمشاركة الشعب في الحكم، فهل نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؟؛ فنظامهم أصلاً غير مقر بالشرع، فهل نأخذ منه ما وافق الهوى؟، فالأنظمة في تلك البلدان في غالبها تقر التعددية الدينية، والأحزاب الوضعية، فهل نستورد منهم هذا أيضاً؟.

ثانياً: عندما وقعت المظاهرات في البلاد العربية ماذا حدث؟ غادر الأجانب تلك البلاد وأخلوها لأهلها، فالعامل ما جاء إلا للاستقرار، فهو أولاً يبحث عن أمن نفسه ثم عن قوته، فإن كان أمنه في خطر، فقوته أشد خطراً، ولذا غادرها مئات الآلاف في بضع أيام فتعطلت مصالحهم، ونحن نتكلم عن بلدان يمارس أهلها جميع المهن، وقد لا يكون للأجنبي تأثير كبير، ومع ذلك فقدوه وشعروا بالفراغ وأغلقت الجامعات وعطلت المصالح، ولو فرضنا جدلاً قيام المظاهرات في بلادنا، فهل سيبقى الأجانب أم سيغادرون؟! الجواب المغادرة، فستتعطل المستشفيات لمغادرة الآلاف من الأطباء والممرضين والممرضات، فحياتهم أهم من حياة المرضى.

وواصل: وما جاؤوا لبلادنا حباً لمرضانا أو شفقة بهم، جاؤوا للقمة العيش التي كدر صفوها قلاقل وفتن، وسيغادر مهندسو السيارات والطائرات وباعة البترول ومهندسوه، وعمال المطاعم وعمال المباني، والسائقون والخدم، والكل يذكر حرب الخليج الأولى مع أن العدو لم يدخل ديارنا، وصفنا كان متحداً، وأمننا كان مستقراً، ومع ذلك غادرنا في الأيام الأولى من غزو الكويت عشرات الآلاف من عمال المصانع والأساتذة وغيرهم وعطلت المدارس، فلا أدري ماذا يريد هؤلاء دعاة التظاهر وحاملو ألويته؟، فإني أقول: هل فكروا بالمآلات؟، وهل تأملوا ما سيحدث؟، والحقيقة أنه لا يوجد مخرج لإقرار مثل هذا العمل الشنيع الذي لن يأتي إلا بما فيه إفساد للبلاد والعباد، وزرع للرعب والخوف، وتفريق للجمع وتفتيت للشمل وتحويل البلد إلى دويلات والله المستعان!.

وختم بقوله: على أبناء بلادنا أن يكونوا صفاً واحداً مع ولي أمرنا وأن نرفض هذه المظاهرات ودعاتها ونعلم أنهم أعداء للبلاد والعباد، حمى الله بلادنا من شرهم وجعل كيدهم في نحورهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*