الحرب الأمريكية المستترة ضد الرياض تدمي واشنطن وتعصف بمصالحها

حرب أمريكية ناعمة أعلنها الكونجرس الأمريكي بإلغاء الفيتو الرئاسي لأول مرة في عهد أوباما تستهدف بالأساس سرقة أموال السعودية لدى واشنطن، في خطوة وصفها مراقبون بالمسرحية المتعمدة للاستحواذ على أصول سعودية لدفع تعويضات لعائلات ضحايا 11 سبتمبر/أيلول، وامتصاص ونهب الاحتياطي السعودي لديها والحجز عليه لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من أزمته.

إلا أن اللعبة الأمريكية القذرة لم تحسم جيدا خطورة رد الفعل السعودي على المصالح السعودية الاستراتيجية وأوراق الضغط القادرة على الرد فالقانون، قد يدفع السعودية لبيع أصول بمئات المليارات من الدولارات لتجنب هذا السيناريو، ما سيؤدي لأضرار كبيرة باقتصاد واشنطن، مع فتح الباب لمحاكمة أمريكا على حروبها المدمرة بدول المنطقة.

وتستطيع الرياض الاحتكام إلى ترسانة من الوسائل التي تكفل لها رد الفعل من ضمنها تجميد الاتصالات الرسمية وسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأميركي وإقناع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي على الحذو حذوها واتباع سياستها التي قد تشمل تجميد التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والاستثمار والسماح للقوات المسلحة الأميركية باستخدام قواعد المنطقة العسكرية.

للمرة الأولى إلغاء الكونجرس فيتو بعهد أوباما  

في تطور نوعي قد يولد أزمة في العلاقات السعودية الأمريكية  ألغى الكونغرس الأمريكي، الأربعاء، حق النقض (الفيتو) الذي استخدمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما لعرقلة قانون 11 سبتمبر الذي يسمح بمقاضاة السعودية على دورها المزعوم في الهجمات التي وقعت قبل 15 عاما، وذلك للمرة الأولى التي يتجاوز فيها الكونغرس الفيتو الرئاسي خلال عهد أوباما.

يسمح قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” المعروف باسم “جاستا” لعائلات ضحايا الهجمات الإرهابية بمقاضاة دول أجنبية، وهو القانون الذي استخدم أوباما حق النقض (الفيتو الرئاسي) لوقف تمريره، وكانت السعودية لوحت بأنها ستسحب استثماراتها التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات إذا أصبح المشروع قانونا نافذا.

تصعيد غير مسبوق

في مؤشر على الإصرار على ابتزاز الرياض والتصعيد ضدها صوت أعضاء مجلس الشيوخ لصالح رفض الفيتو بأغلبية ساحقة بلغت 97 صوتا مقابل 1، وكان التصويت يحتاج فقط إلى 67 صوتا لتجاوز قوة الفيتو الرئاسي. وبعدها صوت مجلس النواب أيضا لتجاوز الفيتو الرئاسي وإقرار القانون بأغلبية 348 صوتا مقابل رفض 77، وهو ما يمنح عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر الحق القانوني في ملاحقة السعودية قضائياً.

من جهته علق المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست على تصويت مجلس الشيوخ ضد فيتو أوباما بقوله إنه “الشيء الأكثر إحراجاً الذي فعله مجلس الشيوخ منذ عام 1983″، فيما قال قال جون برينان مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية إن “كل مسؤولي الأمن القومي في هذه الحكومة يقدرون مدى خطورة هذا التشريع على مصالح أمننا القومي ويعرفون كيف سيؤثر عليها سلبيا.

كوارث مترتبة على القانون ما هي؟

بدورها نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن قانونيين قولهم إن الولايات المتحدة الأمريكية قد تواجه دعاوى قضائية أجنبية بسبب قانون “جاستا” أو ما يعرف بـ”قانون العدالة ضد الإرهاب”، القانون، وعقب إقراره مباشرةً، شهد تفاعلاً كبيراً من قِبل مشرعين وأعضاء في مجلس الشيوخ، حيث عبر 30 عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، في بيانات لهم، عن تحفظهم على هذا القرار، معربين عن تخوفهم من عواقب محتملة لهذا القانون، بما في ذلك احتمال مواجهة أمريكا دعاوى قضائية في محاكم أجنبية نتيجة أعمال وأنشطة عسكرية أو استخباراتية.

الخطير أن القانون يغير في طبيعة المشهد القانوني، حيث يتيح للمحاكم الأمريكية رفع دعاوى قضائية للاستحواذ على أصول سعودية في الولايات المتحدة الأمريكية لدفع تعويضات لعائلات ضحايا 11 سبتمبر/أيلول، الأمر الذي قد يدفع بالسعودية لبيع أصول بمئات المليارات من الدولارات لتجنب ذلك.

المثير للقلق أن اللجنة الأمريكية للتحقيق في حادث 11 سبتمبر/أيلول كانت نفت أي علاقة للسعودية أو أي من المسؤولين الحكوميين بحادث 11 سبتمبر/أيلول، وكان التقرير الذي صدر مؤخراً واضحاً بنفي أي دور، إلا أنه ترك الباب موارباً، حيث أشار إلى إمكانية وجود بعض أدوار لشخصيات سعودية مسؤولة.

وفقاً للصحيفة التخوف الآن، أن تقدم السعودية على بيع أصول بمئات المليارات من الدولارات في أمريكا، الأمر الذي قد يؤدي إلى إلحاق أضرار كبيرة باقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية أكثر بكثير مما قد يلحق بالسعودية من جراء قانون جاستا، على حد قول الصحيفة.

ماذا قالت فايننشال تايمز عن إصرار “الشيوخ”

أبرزت صحيفة “الفايننشال تايمز” في تقرير لها إصرار مجلس الشيوخ الأمريكي على إقرار قانون يسمح لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، بمقاضاة السعودية ومسؤوليها حيث إنه تم التصويت لمصلحة رفض نقض (فيتو) الرئيس باراك أوباما .

ويرى الكاتبان جيوفري داير، وسيمون كير، أن التشريع الأمريكي الجديد يضرب العلاقة المميزة، وربما يكون جزءا من تغير عميق في علاقات السعودية بالغرب، بسبب مزاعم ارتباطها بالتشدد الديني.وشددا على أن الرياض تبقى بالنسبة للحكومتين الأمريكية والبريطانية شريكا مهما في عمليات مكافحة الإرهاب، وفي الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.ويذكر الكاتبان أن شركات، مثل جنرال إلكتريك وداو، حذرت من إقرار القانون، دعما لموقف السعودية، بينما قال الاتحاد الأوروبي إن القانون “يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي”.

ويتيح القانون، بذلك، رفع “قضايا مدنية ضد دولة أجنبية أو مسؤول أجنبي لطلب تعويضات عن إصابات أو موت أو أضرار ناجمة عن عمل من أعمال الإرهاب الدولي”.

سرقة الاحتياطي السعودي

في إطار تحليله لموقف الكونجرس قال الكاتب السعودي الدكتور عبد المحسن هلال معروف أن إجماع ثلثي أعضاء الكونجرس يبطل الفيتو الرئاسي، وهي خطة كانت متوقعة تبريرها الوحيد محاولة سد العجز الأمريكي في الموازنة.

وأضاف “هلال” في تصريح خاص لـ “الخليج العربي” معروف للجميع أن الاقتصاد الأمريكي مدين ومنذ سنين وقد تقاقم دينه العام مؤخرا لدرجة عجز الحكومة الفيدرالية عن القيام ببعض مهامها، ثم تم رفع حد الدين العام، كما يحدث كل عام، لتغطية العجز. الناتج القومي الأمريكي يتضاءل ومصروفها العسكري يتزايد وبطالة شبابها تتزايد، امتصاص الاحتياطي السعودي لديها والحجز علية يتيح لها تحسين قدرة اقتصادها بزيادة السيولة لدى الأفراد واستفادة الدولة من الضرائب على الدخل وتحريك العجلة الإنتاجية.

فيتو أوباما مسرحية..لماذا

في إطار تحليله لإلغاء الكونجرس فيتو أوباما أكد د.وسام الدين العكلة -مدير مركز الفرات للدراسات السياسية والاستراتيجية-أعتقد أن نقض فيتو الرئيس باراك أوباما بهذه السرعة وبإجماع أعضاء مجلس الشيوخ والأغلبية الساحقة لأعضاء مجلس النواب الأمريكي يدلل على أن استخدام الرئيس أوباما للفيتو كان مسرحية مخطط لها لرفع الحرج عن الرئيس أمام المملكة العربية السعودية المعنية بصفة أساسية بصدور هذا القانون. ولو كان هناك إرادة حقيقية لدى البيت الأبيض لمنع صدور هذا القانون لفعل ذلك كما فعل خلال الأيام الماضية عندما منع صدور قانون يفرض عقوبات ضد النظام السوري المتهم بارتكاب جرائم حرب والمسؤول عن قتل مئات الآلاف من الأشخاص يفوق عددهم عشرات الأضعاف ممن قتلوا في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

المصالح الأمريكية في خطر

وأضاف د.وسام الدين العكلة-حاصل على دكتوراة في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية-ومع ذلك أعتقد أن إقرار هذا القانون يشكل سابقة خطيرة في تاريخ العلاقات الدولية يتم بموجبها السماح لأفراد عاديين أن يقاضوا دول ذات سيادة وينتهك مبدأ المعاملة بالمثل الذي تتبعه الدول في علاقاتها المتبادلة وسيترتب عليه نتائج سلبية على الولايات المتحدة وسيعرض مصالحها وموظفيها وجنودها وضباطها في الخارج لخطر مقاضاتهم من قبل محاكم الدول التي يعملون بها استناداً لمبدأ المعاملة بالمثل إضافة إلى رفع دعاوى من قبل مواطني دول أخرى ضد حكومة الولايات المتحدة، كما ستتأثر العلاقات بين واشنطن والرياض وسينعكس ذلك سلباً المصالح الاقتصادية بين البلدين .

ترسانة أوراق سعودية للرد

يرى مراقبون أن المملكة تحتكم إلى ترسانة من الوسائل التي تكفل لها رد الفعل من ضمنها تجميد الاتصالات الرسمية وسحب مليارات الدولارات من الاقتصاد الأميركي وإقناع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي على الحذو حذوها واتباع سياستها التي قد تشمل تجميد التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي والاستثمار والسماح للقوات المسلحة الأميركية باستخدام قواعد المنطقة العسكرية.

من جهته يرى عبد الخالق عبدالله، المحلل السياسي والأستاذ في جامعة الإمارات أنه “ينبغي أن يكون واضحا لدى الولايات المتحدة وبقية العالم أنه إذا تم استهداف دولة من دول مجلس التعاون بكيفية غير عادلة فإنّ باقي أعضاء المجلس سيدعمونها”.وشدد على أن جميع أعضاء المجلس سيساندون المملكة بكل ما يملكونه وبكل الطرق والأساليب.

أوراق استراتجية واقتصادية رادعة

واعتبر مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق لشؤون الأمن الدولي شاس فريمان الذي شغل منصب سفير واشنطن في الرياض أثناء عملية عاصفة الصحراء، أنه بإمكان السعودية الرد على القانون بأساليب من شأنها أن تضع مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية على المحك، مثل السماح وإجازات التحليق بين الأجواء الأوروبية والآسيوية واستخدام قواعد عسكرية في المنطقة تعد ضرورية لعمليات الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق وسوريا.

وأضاف قائلا “من الممكن أيضا أن يتسبب القانون في تجميع الاتصالات والعلاقات والإضرار بالتعاون بين الولايات المتحدة والسعودية فيما يخص مكافحة الإرهاب”.

من جهته، قدّر جوزيف غانيون، الباحث في معهد باترسون للاقتصاديات الدولية حجم الأصول الرسمية السعودية في الولايات المتحدة بين 500 مليار دولار وتريليون دولار.وحتى أغسطس، تمتلك المملكة 96.5 مليار دولار في أصول تحت إدارة وزارة الخزانة تجعل منها المستثمر رقم 15 في لائحة مالكي أصول الخزانة الأميركية

كما اعتبر المدير التنفيذي للمجلس الاقتصادي السعودي-الأميركي إد بورتون أن هناك عددا من الصفقات التي قد يلحق قانون “جاستا” ضررا بها.

أما رئيس غرفة التجارة الأميركية- العربية ديفيد هامون فحذر من أنه لدى المملكة العربية السعودية حرية أن تختار شركاء من أوروبا وآسيا معتبرا أّن الولايات المتحدة لم تعد وحدها “اللعبة الموجودة في المدينة.. ولا أحد يمكنه التكهن بالأسلوب الذي سترد به المملكة العربية السعودية.وحذّر الباحث في جامعة براون ستيفن كينزر من أن ردود الفعل قد لا تأتي مباشرة من السعودية وإنما من دول مرتبطة بها أو تجمعها بها علاقات استراتيجية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*