رمضان غذاء للارواح وطهارة للقلوب “مقال للدكتور السيد عرفة”

كتب للشعلة الدكتور /السيد محمد عرفة عضو مركز الأزهر للفتوي الإلكترونية عن شهر رمضان الكريم فقال :

هدايا السماء لا تعد ولا تحصى ومنن الله وأفضاله متنوعة لا شكل لها ولا وقت تأتي بالأوقات المناسبة لتغير القلب بلا حدود من حال إلى حال. رمضان هو الغنيمة الباردة السهلة الميسرة المحببة للنفس المزينة بالقلب (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون) رمضان شهر التربية والتزكية والبناء والنماء. هو المخرج بعد الله للنفوس المرهقة المتعبة التي أغلقت الصخرة مخارج غارها وأغوارها. افتح لرمضان باب قلبك وخذ منه مفتاح حياتك لعام قادم وتزود لفتح باب للجنة اطرق بذكاء نوافذ عبادات أعظم أجرا وأقل كلفة وأوفر جهدا وادعوا الله بدعوات مأثورة وتذكره بالخلوات بدمع العين وخشوع القلب ويقين المراد. اتلوا كتابه بشوق وحب وعلم وتدبر وخشوع واحي سنن رسولك المهجورة (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) بادر بالطاعات وأسرع بالخيرات واطرد وساوس النفس والشيطان، فها هى الجنة تتزين لطلابها وتتفتح أبوابها ويفوح عبيرها وتزينت حورها فانهض وابذل واسعى وسارع وردد لن يسبقني إلى الله أحد. رمضان منهج حياة وصفحة بيضاء نقية وبداية إيمانية وثابة في عمر الإنسان رمضان مأوى الروح المشتاقة للرضوان، العاشقة للجنان، المتعلقة بالرحمن. رمضان عودة الروح فهلموا إلى ربكم، فحياة القلب بالإيمان هى الهدف وتهيئة الأجواء لتحقيق الهدف لا مناص عنها ورفع الواقع لتحصيل الثواب حتى لا نخسر رمضان ويضيع علينا فلا مناص من هذا السؤال ماذا يريد منا رمضان؟ وماذا نريد من رمضان؟ والسعيد من رتب أوراقه وهيأ نفسه للاستفادة من تلك الفرص والهدايا والمنح الربانية قبل قدومها عليه، فلا يدعها تمر حتى يتزود منها بكل ما يحتاجه في رحلته إلى الله (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب). رمضان عودة الروح فالصوم حالة من حالات غسل القلب والروح والبدن من سموم الغضب والشغب والصخب والكراهية والأحقاد والاستهتار بالحياة والإسراف في إضاعة الزمن. رمضان فوق العادات والعداوات وفوق الشحناء والبغضاء، فتتصافح القلوب وتتسامح الأنفس وتشتد الروابط وتحل الرحمة والسكينة. رمضان ميقاتاً كي تحج القلوب إلى ربها، ثم تزاورا إلى بعضها البعض. رمضان يقظة الإيمان وراحة البال وصلاح الحال وسكون القلب ولذة الفؤاد وهدوء النفس وطمأنينة الوجدان وصفاء القلوب وقوة الإرادة والعزيمة الصادقة والهمة العالية وبناء الأمم وتطهير المجتمعات وتربية الرجال وتمحيص المذنبين وضبط الشهوات ومحو الذنوب والآثام. يقظة تستنهض همَّة المؤمن، وتُحرِكَ عزمه، وتبعث نشاطه، فيهجر النوم والكسل، ويترك الفراش، والبيت الدافئ، ويطرد وساوس الشيطان وخواطر النفس الأمارة بالسوء لينطلق في لهفة وحماس لتلبية النداء. ونحن نعيش في أوضاع متلاطمة متشابكة على جميع المستويات، الشخصي، والمجتمعي، والإقليمي والدولي، وبعيدا عن السياسة التي أوردتنا المهالك، أقول: لقد غاب عنّا الوقوف مع النفس ومحاسبتها، وانشغلنا بدنيانا التي أهلكتنا دون جدوى، فمنّا من ينشغل بالسعي وراء إرضاء نفسه وتحقيق رغباتها، وآخر يكون سببا في تضليل الآخرين وغوايتهم، وثالث يرى أنه يسير على الحق ولا يعبأ بما تقترفه يداه من سلب لحقوق الآخرين، وانتهاك حرياتهم وكرامتهم، ورابع يسيء معاملة الناس ولا يكترث بيوم الحساب! فهل يمكن أن يكون شهر رمضان فرصة للتوقف والمحاسبة والمعاتبة والمواظبة على الطاعات وحُسن المعاملات؟ أتمنى أن يكون شهر رمضان الكريم، الذي تصفّد فيه الشياطين وتسلسل، وتفتّح أبواب الجنة وتغلّق أبواب النار، فرصة سانحة للتطهر من الذنوب والآثام والتخلي عن الأدران التي علُقت بنا طوال العام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”. رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: “أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم يعطهن أمة كانت قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد مردة الشياطين فلا يصلون فيه إلى ما كانوا يصلون إليه، ويزين الله جنته في كل يوم فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة ويعيروا إليك، ويغفر لهم في آخر ليلة من رمضان، فقالوا: يا رسول الله هي ليلة القدر قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره عند انقضاء عمله”. فهل نستطيع انتهاز الفرصة واغتنامها، وتربية أنفسنا على التوبة من الذنوب والمعاصي! ولا يعتبر مجرد التلفظ بالتوبة دليلا على الصدق فيها، ما لم يأت التائب بعلامات تكون ترجمة عملية للتوبة، وبما يحقق وجودها الفعلي الذي تُرجى معه المغفرة والقبول، من ذلك: 1- الإقلاع الفعلي عن الذنب، والأخذ في مقابله أعمال الطاعة، وهذا دليل حساسية القلب وانتفاضه وشعوره بالإثم، ورغبته في التوبة. 2- العزم والقصد لتدارك ما فات، وإصلاح ما يأتي، فإن كان الماضي تفريطا في عبادة قضاها، أو مظلمة أدَّاها، أو خطيئة لا توجب غرامة حزن إذ تعاطاها، وهذا دليل على تعظيم الله في قلبه واشتداد خوفه منه، ورجائه إياه، وطمعه فيما عنده. 3- رد المظالم والحقوق إلى أهلها، فلا تقبل التوبة، ولن تكون صادقة إلا بردها، وهذه المظالم إما أن تتعلق بأمور مادية، أو بأمور غير مادية، فإن كانت المظالم مادية كاغتصاب المال فيجب على التائب أن يردها إلى أصحابها إن كانت موجودة، أو أن يتحللها منهم، وإن كانت المظالم غير مادية فيجب على التائب أن يطلب من المظلوم العفو عن مظلمته، وأن يعمل على إرضائه. 3- أن يكون حاله بعد التوبة خيرا مما كان قبلها؛ قال تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 37). 4- أن لا يأمن مكر الله طرفة عين؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) (المعارج: 27 – 28)؛ فيصحبه الخوف طيلة حياته، ويستمر على ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: 30). 5- أن يتألم ويندم ويأسف على ما فرط منه، وخوفًا من سوء عاقبته. 6- أن يذكر دائما سرعة لقاء ربه ويترقب في كل لحظة نزول الموت به وأنه أقرب إليه من شِراك نعله, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك” (رواه البخاري). 7- ومن أقوى علامات صدقه في التوبة: محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه، والإتيان من العمل بما تقتضيه هذه المحبة. وعلى العاقل أيضًا وقبل رمضان أن يقف وقفة مع من حوله ويسأل نفسه: ماذا فعل لمن حوله؟ وماذا قدّم للناس؟ وهل سيظل طوال عمره يهتم بذاته ولا يسعى إلا في مصلحته الخاصة؟! أم سيكون شهر رمضان فرصة للتخلص من الأنانية وحب الذات والشح والظلم؟ هل سيتعلم معاني الإحسان والجود في رمضان؟ وهل سيصفو قلبه للناس في رمضان، ويتخلص من الحسد والغل والحقد؟ هل يتخلص من الظلم ويعمل على ردِّ المظالم إلى أهلها؟ قال الشاعر: لا تظلمن إذا كنت مقـــتدرًا فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عــليك وعيـن الله لم تنمِ فشهر رمضان يعتبر من أهم وأعظم النفحات الربانية الرائعة التي أنعم الخالق جل وعلا علينا بها، ووقفة مهمة للتطهير من الذنوب والآثام بكل أنواعها. أسأل الله عز وجل أن يبلغنا رمضان أياما عديدة، وأزمنة مديدة وأن يسلمه لنا ويتسلمه منا متقبلاً ما حيينا.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*