بعد مثوله لمدة ستة أيام أمام محققين أمريكيين، روى شاهد رئيسي لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية (إف بي آي) حكاية مذهلة حول عمليات فساد وتعاملات مزدوجة، ساعدت إيران في التهرب من عقوبات دولية، بمساعدة من كبار المسؤولين في الحكومة التركية.

قال ضراب إنه استطاع، على مدار أربع سنوات، تحويل ما قيمته مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية خارج تركيا، ومن الهند والصين وإيطاليا أيضاً

ويصف كريستيان بيرثيلسين، محلل سياسي واقتصادي لدى مجلة بلومبيرغ، كيف بدا تاجر الذهب التركي الإيراني المولد، رضا ضراب، متوتراً وحزيناً أثناء دخوله إلى قاعة المحكمة في نيويورك، ويتحدث عن أسلوب حياته المرفه، حتى وقت قريب، وكيف كان يلقب جيمس بوند إسطنبول. فقد كان يتنقل حول المدينة بصحبة زوجته الجميلة مستخدماً أغلى السيارات، وكان يسافر بطائرته الخاصة، ويستجم على شاطئ بحر إيجه بقاربه وغواصته. وكان يتباهى بحمل مسدس مطلي بالذهب، واستخدم مكتباً داخل برج دونالد ترامب هناك.

لكن كل ذلك انتهى في مارس( آذار) 2016، عندما ألقى الإف بي آي القبض عليه لحظة وصوله إلى ميامي لتمضية عطلته في عالم ديزني. وطوال الأشهر الـ 18 اللاحقة، كان ضراب، 34، عاماً المتهم الرئيسي مع آخرين في عمليات غسيل أموال بقيمة مليار دولار تقريباً، عبر بنوك في أمريكا للمساعدة في التهرب من عقوبات فرضت على إيران بشأن برنامجها النووي.

الحكاية الكاملة

وبحسب بيرثيلسين، تبين أن الإف بي آي نقل ضراب من سجن إلى مكان مجهول من أجل حمايته من تهديدات، ولإبقائه تحت رقابتهم. ولكن في ذلك الوقت، اعترف ضراب سراً بجميع التهم المنسوبة إليه، ووافق على مساعدة الحكومة الأمريكية، في مقابل صفقة ضمن من خلالها المحققون بمنحه وأسرته الحماية بصفتهم شهوداً.
ويقول المحلل إن ضراب سرد، على مدار أكثر من أسبوع، رواية مذهلة حول تمكنه من الوصول إلى أرفع المستويات في الحكومة التركية، وصولاً للرئيس رجب طيب أردوغان.

واشنطن-أنقرة

وكما يلفت المحلل، أدت تلك القضية لتوتر إضافي في العلاقات بين واشنطن وأنقره، وكشفت لأمريكا كيف ساعد حليفها القديم في تقويض نظام العقوبات، في الوقت الذي تسلمت فيه تركيا ما قيمته ملايين الدولارات من المساعدات الأمريكية. وقد اتهم في القضية تسعة أشخاص، منهم وزير الاقتصاد التركي السابق، والمدير التنفيذي السابق لبنك هالكبانك المملوك للحكومة التركية.

تفاصيل مذهلة
وخلال المحاكمة، كشف ضراب عن تفاصيل حول كيفية دفعه عشرات الملايين من الدولارات كرشى لمسؤولين في الحكومة التركية، وفي النظام المصرفي، بهدف كسب دعمهم للتغطية على عملية غسيل أموال. وقد ألقى ضراب ما يشبه قنبلة عندما ذكر اسم الرئيس التركي أردوغان بوصفه كان جزءاً من ذلك المشروع، قائلاً إنه أصدر أوامره لمصرفين تركيين بالمشاركة في الخطة.

أسرة غنية
ويشير بيرثيلسين إلى ضراب على أنه نشأ في رعاية أسرة غنية، إذ كان أبوه تاجراً للفولاذ، وانتقل في طفولته ليقيم في إسطنبول، وبدأ مشاريعه التجارية المتنوعة عندما كان في العشرين من عمره. وأصبحت تجارته الرئيسية في تحويل العملات، وفي البورصة، والمتاجرة بالذهب. وفي ذات الوقت، أصبح والده جزءاً من فريق شكله الرئيس الإيراني آنذاك، محمود أحمدي نجاد، من أجل الالتفاف على عقوبات أمريكية، فرضت بسبب برنامج إيران النووي.

مشروع محكم
وبحسب محققين أمريكيين، ابتكر ضراب، منذ 2012، مشروعاً محكماً لتحويل أموال إيرانية في تركيا لحسابات خاصة بشركته هناك، ومن ثم تصديرها في صورة قطع ذهبية لكي تدخل في النظام المالي الدولي، واستخدامها لصالح شركات إيرانية.

وقال ضراب إنه استطاع، على مدار أربع سنوات، تحويل ما قيمته مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية خارج تركيا، ومن الهند والصين وإيطاليا أيضاً.

وكان المشروع سرياً واستمر لبعض الوقت، لكن، منذ بداية 2012، كشف النقاب عنه، عندما حطت طائرة محملة بالذهب في مطار إسطنبول للتزود بالوقود. وعندها اكتشف رجال الجمارك تلك الشحنة غير المصرح عنها من الذهب. وأدت تحقيقات لاحقة للقبض على مدراء مصارف تركية، ومسؤولين رفيعي المستوى.

فشل 
ولكن بحسب المحلل، أفرج أردوغان، وكان حينها رئيساً لوزراء تركيا، عن المتهمين، بل أقال القضاة ورجال الجمارك الذين كشفوا عن تلك الشحنة الهائلة من الذهب والتي كانت مرسلة إلى شركات إيرانية.

ويلفت بيرثيلسين إلى أنه، رغم جهود ضراب، كان للعقوبات أثر كبير، وأجبرت إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لمناقشة برنامجها النووي.

ولكن، غداة كشف شهادة ضراب أمام محكمة أمريكية، صادرت حكومة أردوغان ممتلكاته في تركيا. وفي خطاب ألقاه أردوغان في 30 نوفمبر(تشرين الثاني) الأخير، وبعد يوم من شهادة ضراب بشأن مشاركته في تلك العمليات، قال الرئيس التركي: “لم نخرق مطلقاً الحظر ضد إيران”.